الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
475
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
عرفت من عدم وجوده في رواياتنا ولا كتب فقهائنا . إن قلت : قد جرت سيرة العقلاء من الأمم على الانتخاب في أمر الولاية ، ويشمله أدلة الوفاء بالعقود ، وعموم تسلط الناس على أموالهم ( وبالأولوية على أنفسهم ) . قلت : جريان سيرتهم عليه إنّما هو لعدم اعتقادهم بتعيين إلهي من قبل الإمام المعصوم عليه السّلام ، وأمّا نحن ، فعدم قولنا به ، وفقا للأدلة السابقة وأنّ الوظيفة هنا معلومة من قبلهم عليهم السّلام ، وأنّ الولاية من ناحية اللّه فقط فلا يبقى لنا مجال لهذا الكلام . هذا مضافا إلى أنّ الانتخاب الذي دار بينهم إنّما هو انتخاب الأكثر ، لا الجميع لعدم إمكانه عادة ، بل المراد من الأكثر عندهم أكثر من يشترك في دور الانتخاب ، وقد لا يشترك فيه إلّا الأقلون منهم ، وقد شاهدنا في كثير من الانتخابات أنّ وكلاء الناس ينتخبون بآراء قليلة بالنسبة إلى كل المجتمع كميليون نفر من بين عشرة ملايين ، ولو صحّ أمر هذه الحكومات لكانت من قبيل حكومة جمع قليل على جمع آخر كثير بغير رضى منهم ، ولا توكيل . إن قلت : إن الولي الفقيه لا يقدر على أعمال الولاية بدون مشاركة الناس في أمره ، وتأييدهم له ، وبذل أنفسهم في نصرته وتأييده ، فالانتخاب إنّما هو لجلب مساعدتهم لذلك ، وهذا هو المراد من أنّ ولاية الفقيه لا تكون إلّا اقتضائيا ، وفعليتها بالانتخاب . قلت : هذا استدلال عجيب ، فانّ عدم قدرة الفقيه على أعمال الولاية بدون مساعدة الناس لا يكون دليلا على عدم فعليتها بدونه ، كما في سائر الحقوق ، مثل من كان مالكا لدار وغصبه منه غاصب ، فانّه لا يقدر على أخذ حقه منه بدون مساعدة الناس ، واين هذا من كون مالكيته شأنيا لا فعليا ؟ وبالجملة أصل الولاية غير منوط بمساعدة الناس ، وإنّما المنوط بها هو أعمال الولاية ، وفرق واضح بين أعمال الولاية وأصل ثبوتها . هذا كله بالنسبة إلى ما تقتضيه العناوين الأولية في المسألة ومقتضى الروايات والأدلة السابقة . نعم قد تقتضي العناوين الثانوية لأمر الانتخاب ، وتدعونا إليه من دون أن تكون ولاية الفقيه منوطة شرعا به ، وذلك لدفع تهمة الاستبداد والسلطة على الناس بغير رضى منهم ،